انتقل إلى المحتوى
تاب لتأجير السيارات

يومان في حلب بسيارة

قراءة 5 دقائق

مدينة تُقطع لا تُمشى

حلب تُمشى في بقاع منها، لا أكثر. أما في المدينة القديمة، في الأزقة تحت القلعة، فلن ترغب في سيارة ولن تستطيع استعمالها أصلاً. غير أن القطع التي تتألف منها زيارة قصيرة — تلّ القلعة، والأسواق المسقوفة، وحي الجديدة، والمركز الحديث بساحاته وحديقته، ثم المطار شرقاً — ليست متجاورة. حلب إحدى كبرى مدن سورية، وهي تتصرف على هذا الأساس: تمتدّ، وفيها زحام حقيقي، والمسافة بين ما رأيته للتوّ وما تريد رؤيته بعده مسافة تُقطع بالسيارة لا بالقدمين.

في هذا وحده تكمن حجة استئجار سيارة ليومين. لا لأنك ستقود كثيراً — ستوقفها أكثر مما تقودها — بل لأنها تحذف الوقت الميت بين الساعات الجيدة. من دونها يصير اليومان في حلب مساومة متكررة على كيفية عبور المدينة، ستّ مرات أو سبعاً. ومعها يُقضى اليومان في الأمكنة نفسها. واليومان في حلب كافيان إن رُتّبا: يوم للقلعة والأسواق والجديدة، ويوم لما تبقّى من المدينة ولما حولها.

اليوم الأول صباحاً: القلعة

ابدأ من القلعة، فالمدينة القديمة كلها منتظمة حولها، ورؤيتها أولاً تمنحك خريطة ذهنية لكل ما يأتي بعدها. والتلّ الذي تقوم عليه صخرٌ في أصله، وفوقه حصيلة آلاف السنين من السكن في البقعة نفسها، طبقةً فوق طبقة. أما المدخل فهو الصورة التي يعرفها الناس قبل أن يصلوا: جسر حجري محمول على دعامات مقوّسة عالية، يصعد من البرج الخارجي فوق الخندق الجاف إلى البوابة الكبرى. والبوابة ليست باباً بل سلسلة: ممرّ منكسر يرتدّ على نفسه أكثر من مرة، بُني كي لا يُقتحَم في خط مستقيم. وفي الداخل بقايا مدينة صغيرة مسوَّرة: مسجد، وصهاريج منحوتة في الصخر، وقاعة فوق كتلة المدخل، وسور طويل يدور بها كلها.

أصاب القلعة في هذا القرن ما أصابها: الحرب، ثم زلزال 2023، وأعمال الترميم تتنقل فيها على مراحل. وما المفتوح من أجزائها في يوم بعينه سؤال يُطرح في ذلك اليوم لا في مقال. امنحها ساعتين على كل حال، ولو من أجل المشهد وحده: من فوق السور تقرأ مخطط المدينة القديمة، وسطوحها المستوية ممتدة في كل اتجاه، والمآذن والقباب ناهضة من بينها، والمدينة الحديثة وراء ذلك كله.

اليوم الأول بعد الظهر: الأسواق المسقوفة

تحت القلعة، ممتداً نحو الغرب، يقع سوق المدينة، والاسم يبخسه حقه. فهو ليس ساحة بيع بل مدينة مسقوفة: كيلومترات من الأزقة المقبّبة بالحجر، والضوء ينزل من فتحات في السقف، وأبواب تتبيّن أنها مداخل خانات، أي فنادق التجار وقوافلهم القديمة، لكل خان صحنه وأروقته العلوية. خان الجمرك وخان الوزير وخان الصابون أشهر الأسماء، لكن نصف المتعة أن تدخل باباً لا تعرف إلى أين يفضي. وعلى الطرف الشمالي من الحيّ نفسه يقوم الجامع الكبير بصحنه المبلّط الواسع.

أصاب الأسواق دمار كبير، وهي تُرمَّم زقاقاً زقاقاً منذ سنوات. بعض المقاطع عاد إلى التجارة، وبعضها ما زال حجراً عارياً وسقالات، والنسبة بينهما تتبدّل، وهذا سبب إضافي لأن تمشيها بنفسك بدل أن تقرأ عنها. أما ما يُشترى فهو ما تصنعه المدينة: صابون الغار وزيت الزيتون مقطَّعاً مكعبات ومرصوفاً ليعتّق، والفستق الحلبي، والمنسوجات. ولا تستعجل الخروج من السوق إلى الشمس؛ فأجمل ما فيه أن تضلّ فيه ساعة.

أوقف السيارة عند حافة المدينة القديمة، في أحد الشوارع الأوسع، وادخل ماشياً؛ فلم يُصمَّم شيء في داخل حيّ الأسواق للسيارات، ولا في يوم من الأيام.

اليوم الأول مساءً: الجديدة

خارج الأسوار القديمة من جهتها الشمالية الغربية يقع حي الجديدة، الذي نشأ هناك قبل قرون وصار عنوان عائلات حلب المسيحية التاجرة. وهو أكثف ما في المدينة مشياً: أزقة حجرية ضيقة، ودور واسعة بقاعات استقبال منقوشة حول باحة وسطها بركة ماء، وكنائس لطوائف عدة على بعد دقائق بعضها من بعض، منها كاتدرائية الأربعين شهيداً للأرمن. وساحة الحطب في وسط ذلك كله.

من الدور الكبرى — بيت غزالة وبيت أشقباش — ما خدم متحفاً، ومنها ما هو قيد الترميم، ومنها ما بقي في يد أصحابه. اجعل المداخل والحجر المنقوش هي المقصد، وادخل ما تجده مفتوحاً. والمساء وقت الجديدة، إذ تضيء الأزقة وتصير المسافات فيها قصيرة على القدمين. ومطبخ حلب حجة قائمة بذاتها: الكباب بالكرز في موسمه، والمحمّرة، وحلويات الفستق التي تُعرف بها المدينة. اترك السيارة في شارع أوسع عند طرف الحي، فالدخول إليه مشياً لا غير.

اليوم الثاني: حلب الحديثة، وما تفتحه السيارة

اترك صباح اليوم الثاني لحلب غير القديمة: برج الساعة في باب الفرج، وساحة سعد الله الجابري المفتوحة، وشوارع العزيزية والسليمانية، والحديقة العامة. وهنا أيضاً المتحف الوطني، وواجهته وحدها تستحق الوقوف أمامها ولو من الرصيف: واجهة أُعيد بناؤها على مثال واجهة معبد من تل حلف، بتماثيل بازلتية ضخمة قائمة على ظهور حيوانات.

ثم تثبت السيارة جدواها. حلب مركز إقليم، والإقليم هو ما يجعل زيارة اليومين تنفتح أو تبقى محبوسة داخل المدينة: التلال الكلسية إلى الشمال الغربي، وفيها كنيسة القديس سمعان المهدّمة التي يسميها الناس قلعة سمعان، وحولها القرى البيزنطية المهجورة التي عُرفت بها تلك التلال. كم يستغرق الطريق، وما حال الموقع اليوم، سؤالان يُسألان على الأرض ولا يُفترضان من خريطة؛ لكن وجود سيارة أمام الباب يجعل الخروج من المدينة بعد الظهر قراراً يُتَّخذ على الفطور لا قبل أسبوع.

ولاستلام السيارة في المدينة أو طلب إيصالها إليك، تجد تفاصيل الفرع ورسم التوصيل إلى حلب على صفحة تأجير السيارات في حلب. سيارة K3 تكفي اثنين وتُركن في شارع ضيق بلا عناء، وسورينتو هي المطلوبة إن كنتم ستة بأمتعتكم، وكريتا أو سبورتاج أوسع وأعلى جلسةً، وهو ما يطلبه خروجٌ طويل من المدينة بعد الظهر.

الوصول والمغادرة

إن وصلت جوّاً فالمطار شرق المدينة، والطريق منه إلى المركز قصير بمقاييس حلب نفسها، لكنه ليس طريقاً يُرتجَل بالحقائب في آخر رحلة طيران. أن تجد السيارة بانتظارك يحوّل المساء الأول إلى مساء مستعمَل بدل أن يكون مسألة نقل، والأمر نفسه بالمقلوب في صباح المغادرة؛ والتسليم والاستلام في مطار حلب يُرتَّبان كما يُرتَّبان في المدينة.

هيكل اليومين

صباح أول على القلعة، وبعد ظهر أول في الأسواق، ومساء أول في الجديدة. ثم صباح ثانٍ في المركز الحديث، وبعد ظهر ثانٍ إمّا خارج المدينة وإمّا عودة إلى الأزقة القديمة لما فاتك في المرة الأولى. لا تكاد السيارة تظهر في هذا الوصف، وتلك هي الفكرة: هي ما يجعل الوصف ممكناً في يومين لا في أربعة.

المزيد عن هذا

كل المقالات

واتساب اتصل بنا