انتقل إلى المحتوى
تاب لتأجير السيارات

طرطوس في يوم واحد: المدينة القديمة وجزيرة أرواد وعمريت

قراءة 5 دقائق

ثلاثة أمكنة في مدينة واحدة صغيرة

تجمع طرطوس أفضل ما فيها في مساحة ضيّقة. فالكاتدرائية الصليبية والحيّ القديم الذي نبت داخل القلعة إلى جانبها على بعد دقائق من الماء. وجزيرة أرواد قبالة المدينة، تراها العين من الكورنيش في أيّ يوم صافٍ. وعمريت، وهي من أهمّ ما تركه الفينيقيون على هذا الساحل كلّه، على مسافة قصيرة جنوباً. ثلاثة أشياء مختلفة تمام الاختلاف، ولا يبعد أحدها عن الآخر.

وما يجعل ترتيب هذا اليوم يستحقّ شيئاً من التفكير أنّ وسطه يمضي على القدمين، في جزيرة لا وجود للسيارات فيها، بينما طرفاه لا يستقيمان بغير سيارة. فعمريت قائمة خارج حدود المدينة ولا يحيط بها عمران يُذكر، والمرفأ الذي تنطلق منه القوارب مكان يُقصد صباحاً لا عند الظهيرة. رتّب المسار على هذا النحو — المدينة القديمة، ثم الجزيرة، ثم عمريت في ضوء العصر — يتّسع اليوم كلّه بين الفطور والغروب من غير أن يستعجل أحد.

الحيّ الذي سكن القلعة

عرف الصليبيون هذه المدينة باسم «تورتوسا»، والمدينة المحصّنة التي بنوها إلى جانب البحر لم تُهجر حين خرجوا منها؛ بقي الناس يسكنونها، وما زالوا. وما تراه اليوم حيٌّ سكنيّ نبت في الحجر العسكريّ القروسطيّ وفوقه ومنه: أقبية صارت طوابق أرضية، وأقواس لم تُبنَ أبواباً فأدّت عمل الأبواب، وجدار برجٍ صار ظهراً لبيتٍ من بيوت الحيّ. الحيّ صغير، ومسكون إلى آخره، وساعةٌ مشياً تكفيه. ليس فيه ما «يُنجَز»؛ متعته كلّها في الانتباه.

وعلى بعد شوارع قليلة يقوم السبب الذي يستحقّ أن تُفرد له صباحاً كاملاً لا ربع ساعة: كاتدرائية سيدة طرطوس، التي بُدئ ببنائها في القرن الثاني عشر، وهي من أكمل ما بقي من الكنائس الصليبية في بلاد الشام. بناءٌ صارم من الخارج، أقرب في النظرة الأولى إلى حصن منه إلى كنيسة، ثقيل الجدران ضيّق النوافذ؛ ثم تدخل فتجده أخفّ وأرشق كثيراً ممّا وعد به الخارج. وقد احتضن زمناً طويلاً متحف المدينة، وفيه من لُقى عمريت شيء كثير، وهذا ما يحسن أن تعرفه قبل النزول جنوباً. أمّا إن كان الباب مفتوحاً يوم تذهب فسؤال يجيب عنه ذلك اليوم وحده، ولا يجيب عنه أحد سلفاً.

هنا تحديداً يتمنّى الزائر عادةً لو أعطى طرطوس ليلةً بدل نصف نهار. فالحيّ والجزيرة وعمريت يومٌ كامل مريح، ويومان بلا عجلة، والمدينة قاعدة أفضل بكثير ممّا توحي به سمعتها بوصفها محطّة عبور. أن تكون السيارة معك في طرطوس هو ما يحوّلها من محطّة إلى مقرّ: المرفأ، والطريق جنوباً إلى عمريت، والخروج من المدينة، كلّها تبدأ من موقفٍ واحد.

العبور

تنطلق قوارب أرواد من المرفأ على الواجهة البحرية: قوارب ركّاب صغيرة، مكشوفة أو نصف مسقوفة، يجلس الناس على جانبيها. والجزيرة قريبة إلى حدّ أنّك تقرأ تفاصيلها من البرّ، والعبور قصير؛ لا تكاد تفرغ من متابعة طرطوس وهي تبتعد حتى تكون أرواد قد وصلت. وتتكرّر الرحلات على مدار النهار، وتزداد كلّما زاد الراغبون، أي في الصيف ونهايات الأسبوع.

خذ معك قبعةً وشيئاً تشربه؛ فلا ظلّ في البحر البتّة، ولا ظلّ على الشاطئ المكشوف حيث تُبنى القوارب. أمّا السيارة فتبقى في طرطوس، وليست هذه قاعدةً يفرضها أحد بقدر ما هي واقع جغرافيّ: لا مكان لها هناك بعد أن تنزل.

أرواد التي بلا سيارات

جزيرة سوريا المأهولة الوحيدة أصغر ممّا يتوقّع أكثر الناس، وأكثر ازدحاماً ممّا يتوقّعون أيضاً. البيوت تلتصق بالشاطئ، والأزقّة بينها ضيّقة إلى حدّ أنّها تحتفظ بظلّها معظم النهار، وكلّ ما فيها — كلّ صندوق، وكلّ كيس إسمنت، وكلّ ثلاجة — جاء بحراً وحُمل بقيّة الطريق على الأيدي.

وللجزيرة شأنٌ منذ زمن بعيد. كانت «أرادوس» دولةَ مدينةٍ فينيقية بحرية، لها أسطولها وأرضها على البرّ، وتُذكر في المصادر القديمة إلى جانب صور وصيدا. وبعد ذلك بقرون طويلة كانت آخر موطئ قدم بقي للصليبيين على هذا الساحل: احتفظ بها فرسان الداوية بعد أن خرجوا من البرّ كلّه، حتى مطلع القرن الرابع عشر. تقوم قلعةٌ قرب وسط الجزيرة، وتكشف التحصينات البحرية في مواضع منها مداميك أقدم بكثير تحتها: كتل ضخمة رُصفت بلا ملاط، ولا تزال تؤدّي العمل الذي قُطعت من أجله.

أمّا التقليد الحيّ الذي يستحقّ أن تدور الجزيرة لأجله فصناعة القوارب. هياكل خشبية على السقالات بمحاذاة الشاطئ، بعضها أضلاعٌ وهواء بعد، وأرواد تبني قواربها على هذا النحو منذ زمن لا يعرف أحد أوّله. أعطِ المكان ساعتين: القلعة، وطوافٌ بطيء في الأزقّة، وورش القوارب، وسمكٌ تأكله ووجهك إلى البرّ، ثم قارب العودة.

عمريت جنوب المدينة

عمريت — «ماراثوس» القديمة — هي الجزء الذي يكافئ وجود السيارة أكثر من سواه، لأنّها قائمة وحدها في أرض مكشوفة خارج حدود المدينة، ولأنّ ساعة الوصول وساعة المغادرة لك أنت وحدك.

فيها ثلاثة أشياء لا شبيه لها على هذا الساحل. المعبد: باحة واسعة محفورة في الصخر الحيّ، تقوم في وسطها مقصورة صغيرة على قاعدة مرتفعة؛ وقد كانت الباحة تُملأ بالماء من نبع، فتصير المقصورة جزيرةً قائمة بذاتها. والمغازل: أبراج جنائزية رُفعت فوق غرف دفن منحوتة في الصخر، نُصبٌ مستدقّة نحو الأعلى ظلّت علامات في هذه الحقول منذ ما يزيد كثيراً على ألفي سنة. ثم مضمار طويل محفور في الصخر مباشرة، يوصف عادةً بأنّه ملعب، والمشي في طوله تجربة غريبة وصامتة.

وأفضل وقت لها آخر النهار. يدفأ الحجر، وتمتدّ الظلال في الباحة المحفورة، والأرجح أنّ المكان سيكون لك وحدك أو يكاد.

إلى أين تمضي السيارة بعد ذلك

طرطوس آخر مدينة كبيرة في جنوب الساحل السوري، وقليل من المسافرين يقفون عندها. أكثرهم إمّا قادم من الشمال أو ذاهب إليه، واللاذقية هي المكان الذي يتبدّل فيه طبع الساحل: مدينة أكبر وأعلى صوتاً، والجبل واقف خلفها مباشرة. فإن كانت رحلتك ستكمل في ذلك الاتجاه، فالسؤال الذي يحسم بقيّة التخطيط هو من أيّ طرف تبدأ. أن تبدأ والسيارة معك في اللاذقية يجعلك تنزل جنوباً على مهل وتختم هنا، والبدء من طرطوس يضع أرواد وعمريت في يومك الأول لا الأخير.

وعلى الحالين يبقى شكل اليوم واحداً: تصل، وتوقف سيارتك، وتعبر، وتعود، وتنزل جنوباً، فتبلغ عمريت والضوء ما زال جيّداً.

المزيد عن هذا

كل المقالات

واتساب اتصل بنا