انتقل إلى المحتوى
تاب لتأجير السيارات

غرباً من حماة: قلعة مصياف ووادي العاصي والطريق إلى الساحل

قراءة 5 دقائق

بين حماة والبحر شريطٌ من البلاد يعبره أكثر المسافرين دون أن ينتبهوا إلى أنهم عبروا شيئاً؛ يسلكون الطريق الأسرع، ويصلون، ثم يسألون بعد حين عن تلك الجبال التي مرّت بهم. أما الطريق الأبطأ — غرباً من حماة على حافة وادي العاصي، صعوداً إلى مصياف حيث ينتهي السهل عند جدارٍ من صخر، ثم فوق الجبال الساحلية ونزولاً إلى الماء — فهو من أجمل ما يُقاد في سورية في نصف نهار. وهو أيضاً من الطرق التي لا تُدرك إلا بسيارة خاصة، لأن معظمه ليس في المدن بل فيما بينها. وهي رحلةٌ لا تُقاس بعدد المواقع التي تُشطب من قائمة، بل بما يصنعه الطريق بالبلاد بين موقعٍ وآخر: سهلٌ ثم نهرٌ ثم جبلٌ ثم بحر، في نهارٍ واحد.

خروجٌ من حماة، ونهرٌ يجري عكس الجميع

تتركك المدينة سريعاً. بعد دقائق من طرفها الغربي تجد نفسك في أرضٍ مرويّة: زيتونٌ وفستقٌ حلبي على المرتفعات الجافة، وقطنٌ وذرة في المنبسط حيث يصل الماء، وقنواتٌ تقطّع الحقول مستطيلاتٍ طويلة. والنهر الذي يسير في مكانٍ ما إلى يمينك هو العاصي. ويُفسَّر اسمه عادةً باتجاهه: فأنهار هذه البلاد تمضي جنوباً أو غرباً وتنتهي، أما هو فيصرّ على الشمال، صاعداً في الأخدود الطويل بين الجبال الساحلية والتلال الداخلية، قبل أن ينعطف أخيراً نحو المتوسط.

وسواء أجاء الاسم من هذا أم من غيره، فهذه هي الصورة التي ينبغي أن تحملها عن المكان. كل شيء في الطريق غرباً من حماة منظَّمٌ بهذا الأخدود: الانبساط تحت العجلات، والماء، والحافة الجبلية في الجهة الأخرى تقترب باطّرادٍ لا تخطئه العين.

شيزر فوق النهر

قبل مصياف وقفةٌ لا ينبغي تفويتها. قلعة شيزر قائمة على نتوءٍ صخري طويل فوق العاصي، شمال غربي حماة، وهي شمال الطريق المباشر إلى مصياف، ويستحق الانعطاف إليها. والوصول نصف المتعة: يأتيها الطريق من الأسفل، فينهض الظهر الصخري من بين الحقول وعلى صلبه قلعةٌ ضيّقة، ضيّقها الصخر ولم يدع لها خياراً آخر.

كانت في القرن الثاني عشر مقرّ بني منقذ، وأشهرهم أسامة بن منقذ الذي دوّن ذكريات حياته هنا: الصيد والخصومات والأطباء والفرنجة والشيخوخة. وهو من أكثر الأصوات الشخصية حياةً في ما بقي من ذلك القرن. اقرأ منه صفحاتٍ قبل أن تجيء، فتكفّ الأطلال عن كونها أطلالاً وتصير بيت رجلٍ تحته نهر. وقد ضرب زلزالٌ عظيم شيزر في القرن نفسه، ومعظم ما تراه رُفع بعده على الخطّ العنيد ذاته من الصخر.

مصياف حيث ينتهي السهل

مصياف بلدةٌ عاملة فيها قلعة، لا أثرٌ أُلحقت به بلدة. تدخلها من شوارع عادية فإذا بالنتوء الصخري في وسط كل شيء، يبدو واطئاً من بعيد ثم يكبر كثيراً حين تقف عند سفحه. وحولها بيوتٌ وحركة نهارٍ عادية، فتبقى القلعة جزءاً من مكانٍ يعيش لا صندوقاً زجاجياً وُضع فيه ماضٍ.

شهرتها من القرن الثاني عشر: كانت الحصن الإسماعيلي النزاري الأول في الشام، ومقرّ راشد الدين سنان، الرجل الذي نسج حوله مؤرخو الإفرنج أسطورة «شيخ الجبل». وقد خضعت القلعة لبرنامج ترميمٍ متأنٍّ في مطلع هذا القرن، وما بقي منها من النوع الذي يُمشى فيه لا الذي يُنظر إليه من الخارج: ممرّاتٌ منحوتة في الصخر، وصهاريج، وغرفٌ تتخذ من النتوء نفسه جداراً، ودرجٌ ينعطف حيث ينعطف الحجر.

غير أن الحجة الحقيقية للمكان هي المنظر. من أعلاها تنظر شرقاً إلى كل ما قطعته، والسهل ممتدٌّ مستوٍ في الغبار نحو حماة، ثم تنظر غرباً إلى أولى تجاعيد الجبل؛ فيتحوّل اختيار هذه الصخرة بالذات من معلومةٍ تاريخية إلى أمرٍ بديهي.

الصعود

غرب مصياف يكفّ الطريق عن ادّعاء الاستواء. يصعد في منعطفاتٍ طويلة، وتعيد البلاد ترتيب نفسها كلما ارتفعت. وكلما ارتفعت تبدّلت رائحة الهواء قبل أن يتبدّل لون الشجر: يتراجع السنديان الشجيري ويحلّ محلّه الصنوبر، وتُقتطع مصاطب الزيتون في منحدراتٍ بزوايا تبدو مخاصمةً للجاذبية، والقرى ممدودة على خطوط الارتفاع، بيوتها متدرّجة في الهبوط، وسطوحها تحتك قريبةٌ إلى حدّ أن ترى الغسيل عليها.

قُد هذا القسم منتبهاً. المنعطفات منعطفاتٌ بحق، ولا ترى ما وراء أكثرها، وستشارك الطريق شاحناتٍ تصعد بغيارٍ منخفض، وقطيعاً يعبر على مهله بين حينٍ وآخر. لا شيء في ذلك صعب، لكن كل شيء فيه يكافئ سرعةً أقل مما تعوّدته في السهل. ويبرد الهواء كلما ارتفعت برداً تحسّه، وهذا وحده في عصر يومٍ صيفي يستحق العدول عن الطريق الأسرع. وقرب القمة ينفتح الوادي كله خلفك، فيحسن أن تقف جانباً في موضعٍ آمن لتنظر.

النزول إلى البحر

للنزول من الجبل أكثر من طريق. تمضي غرباً فوق السلسلة فتهبط نحو الساحل جنوبي اللاذقية ثم تصعد شمالاً بمحاذاة البحر؛ أو تعود من مصياف إلى الأسفل فتقطع الغاب — قاع وادي العاصي العريض المستوي الكثيف الزراعة — وتبلغ الساحل أبعد شمالاً حيث يشقّ النهر التلال عند جسر الشغور. الأول صعودٌ أشدّ مسرحيةً، والثاني يمنحك الغاب، وهو مشهدٌ قائم بذاته: سهلٌ من أوسع ما زُرع في هذه البلاد، أخضر في شهور الري، محفوفٌ بالجبال من جانبيه، تقطعه القنوات. وحين تنظر إليه من علٍ تفهم لماذا يسمّيه أهله سهلاً لا وادياً.

وفي الحالين للنزول لحظته: منعطفٌ يكفّ فيه الشريط الشاحب في أسفل المنظر عن أن يكون ضباباً فيصير بحراً. ولا يمضي وقتٌ طويل حتى تكون في بلادٍ أخرى: قرميدٌ أحمر، وحمضيات، وهواءٌ رطب دافئ، وطريق يحاذي الماء. واللاذقية هي الخاتمة الطبيعية لهذا النهار؛ فالطريق أصدق مع نفسه خطّاً مرسوماً إلى البحر لا ذهاباً وإياباً.

السيارة، وترتيب النهار

أيٌّ من سيارات الصالون تقطع هذا الطريق مرتاحة، ولا يطلب منك شيئاً استثنائياً. غير أن القسم الجبلي ألطف في سيارةٍ أعلى قليلاً، فإن خُيّرت فخذ الكريتا أو السبورتاج، أو السورينتو إن كنتم أكثر من أربعة بأمتعتكم.

املأ الخزان قبل مغادرة حماة ولا تعوّل على محطةٍ تظهر في اللحظة المناسبة على الصعود، واجعلها قيادة نهار: فأنت تريد الضوء للمنعطفات، وللمنظر الذي جئت من أجله. ابدأ باكراً، واحسب نهاراً كاملاً إن نويت أن تمشي القلعتين على مهل، ولا تعوّل على تعويض الوقت في آخر اليوم؛ فلا شيء في هذا الطريق سريع، وتلك هي فكرته أصلاً.

والانطلاق من حماة يضعك عند الطرف الشرقي للطريق وأمامك الطريق كله. وتوصل «تاب» السيارة إلى حماة وإلى اللاذقية بخمسين دولاراً مقطوعة، ومجاناً في دمشق وفي مطار دمشق الدولي إن كانت الرحلة تبدأ من هناك.

المزيد عن هذا

كل المقالات

واتساب اتصل بنا