النصف الجميل من رحلةٍ برّية في سوريا يكتب نفسه بنفسه: قلعةٌ على تلّها، ونواعيرُ تدور على النهر، وبحرٌ يظهر فجأةً في آخر منحدرٍ جبلي. أمّا النصف الآخر فأقلُّ بهجةً وأكثرُ حسمًا: أين تملأ الخزّان، وبماذا تدفع، وهل يعرف هاتفك الطريق، وأين تترك السيارة حين تمشي إلى حيٍّ رُسِمت أزقّته قبل أن تُخترع السيارة. اضبط النصف الممل، يتكفّل النصف الجميل بنفسه.
الوقود وحدةُ تخطيط، لا مهمّةٌ عابرة
العادة الواحدة التي تغيّر يوم القيادة في سوريا هي أن تكفّ عن اعتبار الوقود أمرًا تعالجه حين يشتكي المؤشّر، وأن تبدأ بقياس يومك بالخزّان. املأ في المدينة التي استيقظتَ فيها، ثم املأ مرّةً أخرى في آخر بلدةٍ ذات حجم قبل مسافةٍ طويلة، ولو لم يكن الخزّان قد نزل إلا إلى نصفه. نصفُ خزّانٍ في مدينة خيرٌ من خزّانٍ كامل تضطرّ إلى البحث عنه.
اجعل التعبئة جزءًا من البرنامج لا استثناءً منه: إن كان لك موعدٌ مساءً، فاجعل محطة الوقود في الصباح، حين لا تحسب الدقائق. وتوقّع أن يخدمك عاملُ المحطة بدل أن تخدم نفسك، وقل بصوتٍ مسموع نوع الوقود الذي تحتاجه سيارتك قبل أن يدخل الخرطوم — واعرفه ساعةَ استلام السيارة، لا عند أوّل محطة. ثانيتان تكفيان، وهما أرخص وقايةٍ في هذا المقال كلّه.
وإذا بدأت رحلتك من مطارٍ لا من مدينة، فساعةُ الوصول هي وقت إنجاز هذا كلّه: المال، وخطُّ الهاتف، وخزّانٌ ممتلئ، قبل أوّل طريقٍ حقيقي لا بعد ساعةٍ منه. وهذا أصدق ما يكون إن كنت تستلم سيارتك من مطار حلب ثم تنطلق مباشرةً شمالًا أو غربًا، لأنّ الساعة الأولى هي الساعة التي تعرف فيها أقلّ ما يمكن عمّا حولك.
احمل النقد، واحمله موزَّعًا
تسير الحياة اليوميّة في سوريا على النقد إلى حدٍّ يفاجئ زائرًا لم يحمل ورقةً ماليّة منذ سنوات. افترض أنّ البطاقة لن تُقبَل — في محطة وقود، أو استراحةٍ على الطريق، أو دكّانٍ في قرية، أو عند بوّابة متحفٍ صغير — واعتبر كلّ مكانٍ يقبلها مكسبًا إضافيًّا. هذا الافتراض وحده يوفّر عليك أكثر ما يقع فيه الناس من ارتباك.
والنتيجة العمليّة أن تحسب نقدك للطريق كلّه لا للمحطة التالية. دبّر أمر المال في مدينةٍ قبل أن تقصد البلدات الصغيرة، واحرص على أن تكون معك فئاتٌ صغيرة. فالفئات الصغيرة هي عملة اليوم فعلًا: فنجان قهوة، وكيس فاكهة من بائعٍ على الرصيف، ورجلٌ يحرس سيارتك ساعة، وأجرة قاربٍ إلى جزيرة.
ووزّع ما تحمل. اجعل مصروف اليوم في متناول يدك دون أن تفتح شيئًا، واجعل الباقي في مكانٍ آخر تمامًا. ولا تترك مالًا في السيارة، لا هنا ولا في أيّ مكانٍ آخر، ولا تتركه في حقيبةٍ تتركها أنت في السيارة — وهذه هي صورة الخطأ التي يقع فيها الناس حقًّا.
التغطية والخرائط وعادةُ العمل دون اتصال
احصل على رقمٍ محلّي إن استطعت: تتّصل بمن ينتظرك، ويستطيع هو أن يعاود الاتصال بك، ولن تحسب باقة التجوال في كلّ مرّة تريد أن تعرف أين أنت.
والتغطية على الطرق الرئيسة صالحةٌ للاستعمال في العادة، وتضعف كلّما ارتفعت. والطرق الجبليّة وقيعان الأودية هي مواضع انقطاعها، وهي بعينها الطرق التي تحتاج فيها إلى خريطة. لذلك اجعل التحميل المسبق عادةً لك: نزّل منطقة الخريطة للطريق كلّه وأنت ما زلت على تغطيةٍ جيّدة في المدينة، بأيّ تطبيقٍ تستعمله، فتطبيق «خرائط غوغل» وتطبيق Organic Maps كلاهما يتيح ذلك، وثبّت وجهتك علامةً على الخريطة بدل أن تثق بأنّك ستبحث عنها لاحقًا.
وأمران صغيران آخران. دوّن، على ورقةٍ أو في ملاحظةٍ تعمل دون إنترنت، رقم من ستلتقيه ورقم مكتب التأجير، فالهاتف بلا بياناتٍ يبقى قادرًا على إجراء مكالمة. وكن مرتابًا من مسارٍ يعدك باختصار دقائق من يومك إن تركت الطريق العام؛ فعلى طريقٍ غريبٍ في بلدٍ لا تعرفه، الطريق العام المملّ هو الطريق الأسرع.
الركن، وقاعدة الأحياء القديمة
القاعدة بسيطة وتصلح في سوريا كلّها: اركن عند الطرف وادخل ماشيًا. فالأحياء القديمة رُسِمت على عرض دابّةٍ محمَّلة، ولا ثقةَ بالنفس تجعل سيارةً بسبعة مقاعد تتّسع لها الزاوية. ابحث عن آخر شارعٍ عريض، واترك السيارة فيه، وأكمل على قدميك؛ سترى أكثر على أيّ حال.
هذا هو الفرق بين صباحٍ ممتع وصباحٍ متوتّر في حماة، فمتعة النواعير أن تمشي على ضفّة العاصي بينها، لا أن تدور بحثًا عن موضعٍ شاغر إلى جانب واحدةٍ منها. والأمر نفسه على الساحل: السيارات تبقى في البرّ في طرطوس وتعبر أنت إلى أرواد بالقارب، فيُحسم قرار الركن مرّةً واحدة قبل أن تركب البحر، ثم تنساه بقيّة اليوم.
وأينما تركتها: اطوِ المرايا في الشارع الضيّق، وارفع كلّ ما هو ظاهرٌ عن المقاعد، وصوّر أقرب لوحةِ شارعٍ أو واجهةِ محلّ قبل أن تبتعد. فكلُّ سائقٍ بحث يومًا عن سيارته هو بين شوارع متشابهة تعلَّم هذا بالطريقة الصعبة.
ما يبقى في السيارة
ماء، أكثر ممّا تظنّ أنّك تحتاج، يُجدَّد عند كلّ توقّف لا حين ينفد. وشاحن سيارةٍ بمنفذين، لأنّ هاتفًا يتولّى الملاحة وآخر يلتقط الصور، وبطّاريةٌ متنقّلة خلفهما. وقطعة قماش، فالغبار على الزجاج الأمامي عند الغروب مشكلة رؤيةٍ حقيقيّة. وشيءٌ يُؤكل، حتى لا يفرض الجوع عليك مكان توقّفك.
وطبقةُ ثيابٍ إضافيّة أيضًا. فالجبل أبرد من الساحل، والمساء أبرد منهما، ومن حزم حقيبته للشاطئ وحده يندم حين يرتفع الطريق. وأخيرًا، قبل أوّل يومٍ طويل، اسأل عمّا تحمله السيارة لمعالجة إطارٍ مثقوب وأين يوضع، واحفظ رقم شركة التأجير بحيث يعمل دون إنترنت. أمّا ما يجري بعد عطلٍ على الطريق فمردُّه إلى عقد الإيجار، لا إلى الاجتهاد على كتف الطريق.
خطِّط ليومك من نهايته
قرّر أين ينتهي اليوم قبل أن تقرّر ماذا يحوي، ثم ارجع إلى الوراء: آخر مسافةٍ غير مألوفة أسهل في النهار، والعناوين أسهل في النهار، وركن السيارة في مكانٍ جديد أسهل في النهار. وكلّ ما سبق — الوقود، والنقد، والخريطة المحمَّلة، وقاعدة الدخول مشيًا من الطرف — نصيحةٌ واحدة في أثوابٍ مختلفة: أنجز الأمور المملّة مبكرًا وهي رخيصة، واصرف بقيّة اليوم في النظر من النافذة.